محمد أبو زهرة
1898
زهرة التفاسير
يتولى النظر لكليهما بعين رحمته ، ويفيض هدايته ، روى ابن جرير عن السدى أنه قال : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ اختصم إليه رجلان ، غنى وفقير ، وكان ضلعه مع الفقير ، يرى أن الفقير لا يظلم الغنى ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما . وإن الذي يستفاد من هذه الرواية مع أصل النص الكريم أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا في التفاوت في الحكم ؛ لأن الله هو الذي نظم الكون بما فيه ومن فيه ، فهو الذي أراد للفقير الفقر مع الأسباب ، وأراد للغنى الغنى مع الأسباب الظاهرة لدينا ، والمصلحة الإنسانية هو سبحانه وحده قدرها ، فهو أولى بأن يكون الغنى له لأنه هو الذي منحه ، وأن يكون الفقير له لأنه هو الذي منعه ، فابتلى الأول بالمال ، وابتلى الثاني بالحرمان . هذا حكم الله ، وقد رأينا ناسا يحاربون الغنى ، ورأينا مع الأسف قضاة يمنعون بعض الحقوق ، ويمنحون باسم الغنى والفقر . فهذا « محمد » خير البشر عندما علم الله - الذي يعلم السر وأخفى - أنه يضلع مع الفقير بقلبه ، ذكره بأن الله أولى بالغنى والفقير ، وأنه مقسم الأرزاق ، فكيف يسوغ لأحد من البشر أن يظلم غنيا لماله ؟ ! ! أو يحابيه لذلك . وقال الزمخشري : « - فإن قلت - لم ثنى الضمير في أَوْلى بِهِما وكان حقه أن يوحد ، لأن قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا في معنى إن يكن أحد هذين - قلت : قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا إلى المذكور ، فلذلك ثنى ولم يفرد ، وهو جنس الغنى وجنس الفقير ، كأنه قيل : فالله أولى بجنسى الغنى والفقير ، أي بالأغنياء والفقراء » . . وفي هذا التخريج الذي ذكره الزمخشري إشارة إلى أن الغنى والفقر أمران ثابتان في هذا الوجوب ، لا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإنسانية ، لأن ذلك تنظيم الله تعالى ، وإرادته الخالدة ، وهو الذي يتفق مع الطبيعة الإنسانية ؛ لأن القدر متفاوتة والأعمال مختلفة ، ونتائج الأعمال كثمرات الزرع والشجر ، تختلف باختلاف ما يزرع وما يغرس ، وإن